في خضم العواصف الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة، تبرز المملكة العربية السعودية كمنارة للاستقرار في أسواق الطاقة العالمية. هذا ما أكدته روبرتا غاتي، رئيسة الخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي، في حوارها مع صحيفة الشرق الأوسط. ولكن، ما الذي يجعل دور السعودية محورياً في هذا الوقت الحرج؟
أولاً، دعونا نستكشف الوضع الحالي. إن التوترات الجيوسياسية الأخيرة، وخاصة تلك المتعلقة بمضيق هرمز، تهدد الطموحات الاقتصادية لدول الخليج. فهذا المضيق، الذي يمثل شريان حياة للاقتصاد العالمي، يتعرض لاختبار صعب، مما يلقي بظلاله على خطط التنوع الاقتصادي التي تتبناها دول المنطقة.
شخصياً، أجد أن تحذيرات غاتي حول تأثير هذه التوترات على التنوع الاقتصادي جديرة بالاهتمام. فهي تشير إلى أن الدول التي تعتمد بشكل كبير على مضيق هرمز كمسار وحيد للتجارة وصادرات الطاقة، مثل قطر والكويت، تواجه تحديات أكبر. وهذا ما تؤكده توقعات البنك الدولي بانكماش اقتصاد قطر بنسبة 5.7% وتراجع الكويت بنسبة 6.4%، مقارنة بالدول الأكثر تنوعاً مثل الإمارات والبحرين.
لكن ما الذي يجعل السعودية حالة استثنائية؟ في رأيي، تكمن قوة المملكة في استراتيجيتها الشاملة. فهي لا تركز فقط على تعزيز موثوقية سلاسل الإمداد، بل تمتد جهودها لتشمل دعم التضخم والتجارة والنمو العالمي. وهذا ما يتجلى في توقعات البنك الدولي بنمو الاقتصاد السعودي بنسبة 3.1% خلال 2026، رغم المراجعة الحادة لتقديرات المنطقة.
ومن الجدير بالذكر أن السعودية تمتلك أدوات فريدة لتعزيز مرونة أسواق الطاقة. فهي قادرة على تحويل جزء من صادراتها إلى ميناء ينبع عبر خط أنابيب شرق-غرب، مما يوفر لها خيارات استراتيجية في أوقات الأزمات. وهذا ما يمنحها ميزة تنافسية لا تتوفر لدول أخرى في المنطقة.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. ففي تحليلها، تسلط غاتي الضوء على جانب مظلم لتقلبات أسواق الطاقة، وهو تأثيرها على الدول النامية المستوردة. فهذه الدول تواجه ضغوطاً مركبة مع ارتفاع أسعار النفط، مما يؤدي إلى زيادة تكاليف الكهرباء والنقل والمواد الغذائية. وهذا ما يفرض تحديات كبيرة على موازناتها العامة، خاصة تلك التي تمتلك احتياطات محدودة.
من وجهة نظري، فإن هذه القضية تسلط الضوء على أهمية أمن الطاقة العالمي. فالدول النامية المستوردة للطاقة تواجه معضلة حقيقية، حيث يجب عليها الاختيار بين تحمل تكاليف باهظة لدعم أسعار الطاقة أو السماح بارتفاع الأسعار الذي قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية. وهذا ما يجعل دور السعودية أكثر أهمية، حيث يمكنها المساهمة في استقرار الأسواق وتخفيف الضغوط على هذه الدول.
أخيراً، أود أن أشير إلى نقطة جوهرية. إن العالم يمر بمرحلة تحول في مفهوم الكفاءة الاقتصادية. فكما ذكرت غاتي، لم تعد الكفاءة وحدها كافية، بل يجب أن تقترن بالمرونة والقدرة على الصمود. وهذا ما يتطلب من الدول والشركات إعادة النظر في استراتيجياتها، وبناء احتياطات، وتنويع المصادر، وزيادة المخزونات. وفي هذا السياق، أتطلع إلى تقرير البنك الدولي القادم حول التنويع الاقتصادي لمصدري النفط والغاز، والذي قد يقدم رؤى مهمة للمنطقة.